الشيخ محمد علي طه الدرة

498

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 215 ] يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ( 215 ) الشرح : يَسْئَلُونَكَ : انظر الكلام على : سأل ، يسأل في الآية رقم [ 189 ] والخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، والسائل هو عمرو بن الجموح ، رضي اللّه عنه ، وكان شيخا كبيرا ذا مال جم ، فسأل الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم عمّا ينفق ، وعلى من ينفق . ما ذا يُنْفِقُونَ أي : ما قدره ، وما جنسه ؟ والمراد : نفقة التطوع ، لا الزكاة ، فالآية محكمة لا منسوخة ، فهي مبينة لمصارف صدقة الصّدقة ، ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة ( الإسراء ) وسورة ( الروم ) : وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ . هذا ؛ ويعدّ علماء البلاغة هذه الآية من الأسلوب الحكيم ؛ حيث قالوا : إن السائل سأل الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم عن حقيقة الإنفاق ، وعن كمية المال الذي ينفق : الربع ، أو الثلث ، أو النصف مثلا ، فأجيب ببيان طرق إنفاق المال تنبيها على أنّ هذا هو الأولى ، والأجدر بالسّؤال عنه . ومثل هذه الآية في هذا الحكم الآية رقم [ 189 ] ، فقد بني الكلام في هذه على ما هو الأهم ، وهو بيان المصرف ؛ لأنّ النفقة لا يعتد بها إلا أن تقع موقعها ، كما قال الشاعر الحكيم : [ الكامل ] إنّ الصّنيعة لا تكون صنيعة * حتّى يصاب بها طريق المصنع فإذا صنعت صنيعة فاعمد بها * للّه أو لذوي القرائب أو دع قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ : من مال ، وانظر الآية رقم [ 105 ] . فَلِلْوالِدَيْنِ : فواجب على الرجل الغني أن ينفق على أبويه المحتاجين في قدر ما لهما من حاجة من طعام ، وكسوة ، وسكن يليق بهما ، وعليه أن يزوج أباه إن كانت نفسه تتشرف إلى الزّواج ؛ لأن إعفاف الأب مطلوب ، بل هو أولى من الطّعام ، والكسوة ، وعليه نفقة امرأة أبيه إن تزوّج بعد موت أمّ أولاده امرأة أجنبية ، ولا يجوز للولد أن يمنع أمّه من الزّواج ؛ إن طلبت الزواج بعد موت أبيه ؛ لأنّ إعفافها مطلوب أيضا ، وعليه أن يخرج عنهما صدقة الفطر ؛ لأنّها مستحقّة بالنفقة ، والإسلام . أمّا ما يتعلق بالعبادات من الأموال ، فليس على الولد أن يعطيهما ما يحجّان به ، ولكن من باب البرّ الّذي أوصى اللّه به أن يبذل لهما من المال ما يحجّان به ، ولا سيما الأم التي تعبت في تربيته ، ولاقت العناء الشديد في حمله ، ووضعه . وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وانظر الآية رقم [ 176 ] ففيها الكفاية . وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ : المراد به كلّ عمل صالح من إنفاق مال ، وغيره . فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ : يجازي به الجزاء الأوفى . الإعراب : يَسْئَلُونَكَ : فعل مضارع ، وفاعله ، ومفعوله الأول . ما ذا : ( ما ) : اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ . ( ذا ) : اسم موصول مبني على السكون في محل